شيزوفرينيا الشرعي والمدني

In أسرة, وجهة نظر

جاءني في المسجد أحد الإخوة يستفتيني بخصوص طلاقهِ زوجتَه، فيقول أنه وزوجته قررا الطلاق واتخذا الإجراءات بالفعل لدى قاضي الأحوال الشخصية في ألمانيا، والقانون الألماني يقضي بوجوب انفصال الزوجين انفصالا حقيقيا لمدة عام بحيث تنقطع علاقة الود والحميمية بينهما بكل صورة، بعدها يحكم القاضي بوقوع الطلاق وانفساخ الرابطة، ويمكن لكلا الطرفين الزواج أن يشق طريقه في حياته الخاصة بعيدا عن الطرف الآخر، كان سؤال السائل هنا هو: هل يرمي عليها يمين الطلاق الآن؟ أم بعد سنة الانفصال القانونية؟ أم قبل نهايتها بثلاثة أشهر؟

بدأت أشرح الأمر لأخي السائل بأن مسألة التلفظ بيمين الطلاق مسألة تاريخية كانت معتبرة جدا في وقت ما عندما كان المجتمع قبليا بدائيا بسيطا جدا مقارنة بمعنى الدولة النظامية في عصور لاحقة.

صحيح أن التلفظ بالطلاق يظل دائما أمرا مفيدا في الإفصاح والتصريح والإعلام برغبة الزوج في فسخ العلاقة، لكن لم يعد الأمر مقتصرا على التلفظ بكلمة أو عبارة، ولم يكن الأصل هو الاعتماد على كلمة الطلاق وحدها، بل كان الإشهاد على الطلاق مطلوبا أيضا في فجر الإسلام كما نقرأ في سورة الطلاق.

لكن المسألة برمتها أخذت شكلا مختلفا عندما تطورت المجتمعات باتجاه تأسيس الدولة النظامية التي تعتمد على الأوراق والدفاتر واللوائح المنظمة والموظفين المختصين والدوائر العدلية، والشكل الحديث للطلاق يوجب على الزوج ألا يكتفي بكلمة طلاق بينه وبين زوجته، بل يلزمه بأن يوثق الطلاق في دفاتر رسمية لدى المأذون أو في دائرة العدل التابع لها، حتى وإن كان الطلاق رجعيا، وحتى إن انتهي بالتصالح والمراجعة قبل انقضاء العدة المقررة شرعا، حتى لا يقع الناس في تخبط شرعي وقانوني وأخلاقي إذا تكرر الطلاق غير الموثق أكثر من مرة.



المهم أن السائل جاء ولديه فهم شرعي وإيماني خاص حول إجراء التصريح بيمين الطلاق أمام الزوجة، والسائل يفصل ذهنيا ونفسيا بين إجراءات الطلاق المدني لدى القاضي الألماني وبين صورة الطلاق في الوعي الشرعي التقليدي الموروث.

إذ يعتبر أن امرأته لا تعتبر طالقا شرعا وأمام الله بحكم القاضي الألماني، لذلك يحتاج إلى التصريح بكلمة الطلاق ولابد. وهو الفهم الذي أردت تصحيحه وضبطه. لذلك أخبرت السائل أنه ليس محتاجا على الإطلاق إلى التلفظ بشيء، لا الآن، ولا عند نهاية سنة الانفصال، ولا قبلها بثلاثة أشهر، وحتى إن فعل وألقى كلمة الطلاق الآن فلن تصبح امرأته طالقا منه شرعا كما يظن، لأن المعتبر الآن، أو بالأحرى لأن الذي ينبغي اعتباره في وقتنا هذا هو الإجراءات التي ينص عليها القانون في مثل هذه الحالة، حتى وإن كان قانونا مدنيا غير مطابق للشريعة.

بمعنى أن القانون الألماني سيظل معترفا بالزوجية إلى أن يحكم القاضي بعد سنة، وهذا يعني أن المرأة ستظل في علاقة زوجية أمام القانون وبالتالي أمام مؤسسات الدولة المختلفة، بحيث لا يمكنها- مثلا – أن تتزوج إن أرادت حتى بعد طلاقها شفهيا وانقضاء عدة الأشهر الثلاثة المقررة شرعا.

والأمر ذاته ينطبق على الرجل، حيث لا يستطيع أن يتزوج زواجا قانونيا وأيضا لا يستطيع غالبا تغيير وضعه المالي لدى مصلحة الضرائب والتأمينات مثلا، هذا من جانب القانون المدني الذي يعرف المسلمون المقيمون أحكامه ومواده.  والمشكل هنا أن هؤلاء المسلمين أنفسهم يعتقدون دائما أن أحكام الشريعة مختلفة عن القانون في نقاط عديدة، ويؤمنون حقا بأن شيخ المسجد أو عالم الدين المقيم في ألمانيا مثلا سيقرر حالة أخرى أو (سيحكم) حكما آخر يعطيهم مساحة من الحركة، حتى مع مخالفة هذه الحالة أو هذا الحكم لقانون الدولة أو لحكم القاضي الألماني، وتكون النتيجة (في مسألتنا هذه تحديدا) أن يتم الطلاق شفهيا، ثم يذهب الرجل أو المرأة أو كلاهما للزواج مرة أخرى في المساجد بصورة غير موثقة ولا معترف بها قانونيا في ألمانيا.

وهي صورة شبيهة تماما بالزواج العرفي في دولة نظامية مسلمة كمصر على سبيل المثال، صورة لا تحفظ حقوقا لأي طرف ولا تلزم بواجبات على أي طرف، ثم تدور العجلة، لتنشأ في أوساط الجالية الإسلامية أوضاع غير طبيعية تضيع فيها الحقوق والواجبات، بل تتطور الأمور في كثير من الأحيان بشكل مأساوي تحدث فيه خزايا وجرائم قبيحة يَندَى لها الجبين، سواء في حق الرجل وأهله أو في حق المرأة وأهلها، أو في حق الطفولة البريئة التي تدوسها أقدام الجهل والظلم وقلة الأخلاق والضمير، أو التي تُنتهك – على الأقل – بسبب العشوائية وقلة الوعي بالقانون وخلطه بتصورات شرعية وفقهية غير موفقة يشارك فيها للأسف رجال دين مسلمون غير أكفاء وغير متنورين.
(تنويه لابد منه: الحديث عن ضرورة الالتزام بقانون الدولة الأجنبية التي يقطنها مسلمون مؤمنون ليس فيه تفضيل للقانون الوضعي على الشريعة الغراء الثابتة بالكتاب العزيز والمعتبر من السنة، والدعوة للالتزام بالقانون المدني في هذه الدول سببها أن قوانين هذه الدولة غير المسلمة لها قوة نفاذ وسلطان جبري ملزم على المقيمين فيها، وهذه القوانين تراعي الحقوق والواجبات إلى حد كبير، كما أنها تنظم الحياة العامة وتنسقها وتتوخى التداخل والتشابك الحاصل بين مؤسسات الدولة المختلفة المالية والاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها، لذلك سيعاني جدا كل من لا يريد أن يلتزم بالقانون بحيث يلجأ إلى تصرفات وحلول لا قرار لها في أرض الواقع ولا مخارج نظيفة منها في المستقبل، لذلك لا يبقى إلا خيارين اثنين: إما الالتزام بالقانون، وإما العمل على تغييره من خلال النشاط السياسي أو المجتمعي الذي يضغط على المشرِّع لتعديل الأوضاع إلى الشكل المرغوب فيه، والخيار الأخير للأسف صعب جدا على الجالية المسلمة في البلاد غير المسلمة، نظرا لافتقاد المسلمين هناك كثيرا من معاني المواطنة الفاعلة المؤثرة، نسأل الله أن يجمع الكلمة ويُخلص القصد ويسدد السعي! آمين!)

السيد الرحماني

– باحث في الدراسات الإسلامية بجامعة مونستر وعضو مجلس إدارة جمعية آفاق للتعاون الثقافي والاجتماعي.

الصورة:Nabeelktd-at-Malayalam-Wikipedia.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

رسالة من المنفى

أخبرني كيف اللقاء؟؟ بين التشدّق والنفاق؟؟ بين الطعن والشَّقاء؟؟ أخشى الفراق كثيراً نعم أخشى الفراق ذات منام  غازلتني تربته

أكمل القراءة …

دور التلاقح الثقافي

قبل الخوض في لب الموضوع يجمل بنا أن ندور دورة حثيثة حول معنى مفهوم الثقافة حتى يتسنى لنا أن

أكمل القراءة …

نقص العمالة الماهرة بألمانيا

أكثر من 1.2 مليون وظيفة لا تستطيع الشركات الألمانية تغطيتها بسبب نقص العمالة الماهرة. لقد فشل تدفق المهاجرين من

أكمل القراءة …

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل