تحرير الإسلام من بنى القمع والاستبداد الفكري والسياسي

In مونستر

صدر هذا الأسبوع كتابي الجديد باللغة الألمانية الترجمة الموضوعية وليست الحرفية لعنوانه: “تحرير الإسلام من بنى القمع والاستبداد الفكري والسياسي” والذي يحلل علاقة الاستبداد والقمع باسم الإسلام بفهمنا للإسلام اليوم.

الكتاب يعود بنا في فصوله الأولى إلى مراحل مبكرة من التاريخ الإسلامي حين تأثر المسلمون بعد فتحهم لبلاد الشام وبلاد فارس وانتصارهم على القيصر البيزنطي والملك الساساني الفارسي بالنظريات السياسية التي تبلورت عند الروم وعند الساسانيين والتي جعلت من قياصرة الروم ومن ملوك الساسانيين ظلاً لله في الأرض، يتحدثون باسمه ويحكمون بأمره. تأثر الأمويون ومن بعدهم العباسيون بهذا التوظيف العميق للدين من قبل السلطة السياسية، ونقل مثقفون من أمثال الجاحظ وابن المقفع والماوردي وغيرهم نظريات تداخل الدين والسلطة السياسية، خاصة من الثقافة الفارسية الساسانية إلى الإسلام.

المقولة التي يتبناها الإسلام السياسي اليوم: “الإسلام دين ودولة” هي ليست إلا استمراراً لفكر دخيل دخل على الثقافة الإسلامية خاصة من خلال الكتابات التي عرفت بالآداب السلطانية. وظف الخلفاء العباسيون الدين من أجل شرعنة السلطة وجعلوا من السلطة محامياً عن الدين في الظاهر، ضامناً في واقع الأمر لمصالح سلطوية بحتة، جعلوا من أنفسهم ظل الله في الأرض، فاحتاجوا لصورة الإله المتسلط بدل صورة إله الحب والرحمة، كما احتاجوا لهيكل معين للدين يمكن من خلاله السيطرة على الشعوب (فتبلور خطاب الحاكمية باسم الدين وخطاب تطبيق الشريعة). هذا الخطاب الديني الذي بلور صورةً للإنسان على أنه المغلوب على أمره، علاقته بالله وبالتالي بكل سلطة باسم الله هي علاقة استسلام وخضوع، لا علاقة ثقة وحرية يكون فيها الإنسان خليفة الله الذي يملك تحديد مصيره بيده، بل مصيره في يد السلطة، خطاب القمع هذا الذي ألغى الإنسان، تم توظيفه سياسياً ابتداء بالخلافة الأموية سنة ٦٦١م وهو مستمر ليوم الناس هذا.

سوف يستغرب القارئ حين يتعرف على مظاهر توظيف الإسلام في القرن العشرين من قبل أنظمة سياسية مع أنها كانت تعد نفسها شيوعية أو على الأقل صديقة للشيوعية. لكن وبعد نكسة ال ٦٧ احتاج العالم الإسلامي ، وخاصة العربي، لسردية جديدة يحرك بها عواطف الجماهير تحل محل سردية الخلافة والتي انتهت مع أتاتورك وتحل محل سردية القومية العربية والتي أعلنت إخفاقها مع هزيمة ال ٦٧ فظهر الخطاب الديني كبديل، وبدأت أنظمة علمانية وماركسية تستخدم الخطاب الديني وبدأت المزايدات بين هذه الأنظمة وبين أحزاب الإسلام السياسي، من هو المحامي عن الدين الأكثر إخلاصاً ومصداقية؟ أصبح خطاب التشدد أداة لشرعنة مزيد من السلطة.. كلها مزايدات وازعها السلطة، هدفها السلطة، أحلامها السلطة، السلطة وليس إلا.. والضحية هو الإسلام في ثوبه الروحاني والأخلاقي.. الضحية هو الإنسان نفسه والذي تم مصادرة حريته وبذلك إنسانيته.. بداية تأسيس بنية القمع باسم الإسلام بدأت في فترة مبكرة من تاريخ الإسلام بوازع سياسي يبحث عن تبرير السلطة، انتقلت هذه البنية من المستوى السياسي إلى الاجتماعي والديني (والذي تظهر قمته في ثقافة القمع التي تتميز بها معظم المؤسسات الدينية اليوم)، ويشكل الإسلام السياسي اليوم قمة استغلال الدين واللعب على العواطف الدينية من أجل الوصول للسلطة الدنيوية باسم المقدس..

تظهر قمة تغوغل روح القمع حين يدافع المقموع بنفسه عن بنية وأدوات قمعه، ومثال ذلك هو صورة المرأة المقموعة باسم الدين، حين يقمعها الرجال ويجعلوا منها مجرد عورة، حتى صوتها عورة، فلا يجوز لها أن ترفع الأذان أو ترتل القرآن أمام الرجال، ثم يأتين نساء يكررن هذا الخطاب القمعي اللاإنساني ويدافعن عنه، كذلك حين يدافع المقموع عن قامعه بحجة أن طاعة القامع، أياً كان، هو من طاعة الله، فيتم توظيف الله من أجل تبرير القمع وإلغاء الإنسان وحريته وكرامته.. في الجزء الثاني من الكتاب وفي عشرة فصول أضع صورة لفهم الإسلام بعد تحريره من بنية القمع والاستبداد، كيف يمكن فهم الإسلام كرسالة تحرير كما بلغها الرسول عليه السلام؟ كيف تكون صورة الإسلام إذا تحررنا من كل صور وخطابات القمع؟ كيف ستكون صورة الله في أذهاننا وكيف ستكون علاقتنا به؟ كيف ستكون صورة الإنسان لنفسه كإنسان حر أعطاه الله مسؤولية كتابة تاريخه بنفسه وتحمل مسؤولية ذلك، فهو الفاعل فيه وليس ذلك السلبي مجرد المفعول به؟ كيف سيكون فهمنا للقرآن وعلاقتنا به؟ كيف ستكون صورة المرأة ووضعها في المجتمع؟ كيف ستكون صورتنا للإسلام حين نتحدث عن علاقة الإنسان بالله على أنها علاقة حب ورحمة وثقة، لا على أنها علاقة قانونية محكومة بمفاهيم الوصاية؟
كتابة مثل هذه الكتب باللغة الألمانية وفي السياق الأوروبي الذي أعمل به يفتح المجال لكثير من النقاشات المثرية والتي تميزها الموضوعية، أما في معظم السياقات العربية فتتميز ردات الفعل بالمزايدات وشخصنة النقاش ومحاولة استعراض خطاب الأستاذية الذي يريد التصحيح وتوزيع الدرجات، وهذه كلها من أعراض الاستبداد الفكري الذي هو مجرد عرض لبنية استبدادية وقمعية منتشرة ومتعشعشة في كثير من السياقات والمجتمعات الإسلامية، لذلك تكون نقطة التغيير في نظري في إعادة وعي الإنسان العربي والمسلم بحريته وكرامته وبالتالي إنسانيته، الإنسان هو الذي يملك قرار تحرره من بنية القمع حين يبدأ بتحرير عقله من بنى الاستبداد الفكري، أما التحرر من بنى القمع الاجتماعي والسياسي فهي ستلحق التحرر الفكري تلقائياً.. وهنا تظهر مسؤولية المفكرين والعلماء والمؤسسات الفكرية والدينية ودورهم في تحرير العقول بدلاً من ترسيخ ثقافة القمع والاستبداد.. ولكن أين هم هؤلاء؟

البروفيسور مهند خورشيد

عميد المعهد العالي للدراسات الإسلامية بجامعة مونستر الألمانية

(منقول عن البروفيسور مهند خورشيد )

قائمة الموبايل