فرص التعليم هي فرص العمر

In تعليم
0
(0)

لماذا يفشل الكثير من الأطفال في النظام المدرسي الألماني؟

الانتماء الاجتماعي في ألمانيا عامل حاسم للنجاح في المدرسة
تؤكد دراسات «البرنامج الدولي لتقويم التلامذة» (بيزا) أنَّ نجاح الطفل في المدرسة في ألمانيا يتحدد من خلال الانتماء الاجتماعي والأصل العِرْقِيّ، وأنَّ معاملة الأطفال من ذوي الأصول الأجنبية في صفوف المدرسة الألمانية غير عادلة، كما يلاقي هؤلاء الفشل بسبب المتطلبات المدرسية في الكثير من الأحيان. والأخطر من ذلك، أنَّ الأطفال من أصول أجنبية ممن يتفوقون في المدرسة بالرغم من غياب المعاملة العادلة بسبب أصولهم، يلاقون أيضًا المصاعب في نظام التعليم المدرسي الألماني. وقد أظهرت دراسات ميدانية أنَّ التلامذة في أوساط المهاجرين العرب على سبيل المثال مضطرون لتقديم أداءٍ مدرسيٍّ أعلى مستوىً من أقرانهم الألمان لكي يحصلوا على توصية بالانتقال إلى المدارس الثانوية. إلا أن هذا التمييز بين التلاميذ لا ينطبق على أطفال المهاجرين إذا كان الوالدان خريجين جامعيين. حيث أنَّ فرصة ابن أو ابنة بروفسور أو خريج جامعي في الانتقال إلى المدارس الثانوية (مع نفس المستوى في الأداء المدرسي في الصف الرابع / السادس) تفوق بحوالي أربع أضعاف فرصة ابن أو بنت عامل. وهذا يبين بوضوح أنَّ الانتماء الاجتماعي هو أحد معايير النجاح أو الإخفاق المدرسي، وأنَّ التمييز الاجتماعي هو معوِّق كبير في النظام المدرسي الألماني.
بيد أن التمييز الذي يلاقيه أبناء وبنات المهاجرين في التعليم لا يتجلـّى في نتائج دراسات «البرنامج الدولي لتقويم التلامذة» (بيزا) وحسب، بل أيضًا في توصيات الانتقال من المدرسة الابتدائية إلى المدرسة الثانوية، وفي المؤهلات التعليمية، والشهادات المدرسية. حيث تؤكد الأرقام الواردة في تقرير الاندماج لعام 2008 أنَّ 15.9% من أبناء وبنات المهاجرين يغادرون المدرسة دون الحصول على أية شهادة مدرسية، وأنَّ 45% يتركون المدرسة حاملين الشهادة المتوسطة البسيطة (هاوبت شوله)، و 36.8% الشهادة المتوسطة (ريال شوله) وفقط 10% يحصلون على شهادة الثانوية العامة (أبيتور).
أطفال المهاجرين هم الأكثر تضررًا من ثغرات نظام التعليم الألماني
منذ إعلان نتائج دراسات «البرنامج الدولي لتقويم التلامذة» (بيزا) لا يوجد بلدٌ يجري فيه النقاش بهذه الكثافة حول تحسين فرص تعليم الأطفال المهاجرين. ولكن إذا أخذنا حلقات النقاش الكثيرة ونتائج الدراسات والأبحاث وجهود الإصلاح في مختلف الولايات بعين الاعتبار نلاحظ أنَّ التمييز في التعليم ما زال موجودًا. إذ لم يتم تحسين النظام المدرسي ليكون أكثر عدلا، ولم تجلب الإصلاحات تغييرات أو تحسينات ملموسة. ذلك لأن طبيعة المدارس والتدريس وتدريب المعلمين والمعلمات واختيارهم وكتب التعليم والمناهج المدرسية إشكاليات لم تطلها النقاشات تقريبًا، بالرغم من أنها تشكل نقاط الضعف في نظام التعليم الألماني، وأكثر المتضررين منها هم أطفال المهاجرين. وهكذا لم يتحقق الفصل بين القدرة على القراءة والمنشأ الاجتماعي مثلاً حتى اليوم، ولم يتم تحسين مستوى استيعاب أطفال المهاجرين للنصوص في المدارس الابتدائية.

ما هي أسباب فشل الكثير من الأطفال في المدرسة؟
لكن ما هي أسباب تردي الأداء المدرسي لدى أطفال المهاجرين و/أو لدى أطفال العائلات الفقيرة؟ هل يتعلق هذا بالفعل فقط بالضعف اللغوي لدى أطفال المهاجرين؟ أم يتعلق بالوالدين اللذين لا يساعدان أطفالهما بما فيه الكفاية؟ أم يتعلق بافتقار المؤسسات التعليمية للإمكانيات أو للموارد اللازمة لدعم التلاميذ الضعفاء لغويًا بشكل فردي؟ أم هل يتوجب علينا بالفعل البحث عن الأسباب داخل نظام التعليم الألماني ذاته؟
ثمة كوكبة من الأسباب بحسب رأي الخبراء. فهناك من جهة الافتقار إلى المهارات اللغوية (الألمانية) لدى المهاجرين، ومن جهة أخرى هناك وضع العائلة الاقتصادي الاجتماعي وكذلك النظام المدرسي متعدد الفروع.
لا يستطيع الكثير من الآباء والأمهات تقديم الدعم الكافي لأطفالهم
غالبًا ما تتم الإشارة ضمن سياق انعدام المهارات اللغوية إلى أنَّ عائلات المهاجرين هم من «غير المتعلمين»، كما يجري الارتكاز على إحصائياتٍ تشيرُ إلى أوجه تشابه وضع هؤلاء مع الوضع الاجتماعي في البلدان الأصلية التي ينحدرون منها. وفي المقابل لم تساعد استطلاعات الرأي التي تؤكد طموح الأهالي بالتعليم على إحداث أي تغيير على هذا الرأي الراسخ. أما أحد أسباب ذلك فيكمن بالتأكيد في حقيقة أنَّ الكثير من الأهالي لا يستطيعون التواصل باللغة الألمانية ولذلك يصطدمون في الحياة اليومية كثيرًا بحاجز عجزهم اللغوي. كما أنهم يشعرون بعدم قدرتهم على التعاطي مع شؤون أطفالهم في روضة الأطفال أو في المدرسة، لأنهم لا يستطيعون إعداد أطفالهم للمدرسة بشكل مناسب، ولا يستطيعون أثناء المرحلة الدراسية مساعدة أطفالهم على استيعاب ما يتعلمونه في حال مواجهتهم صعوبات في فهم هذه المواد. لذا نجد أنه ليس من النادر أن يفشل الأطفال في الصفوف الأولى في المدرسة الابتدائية بسبب المتطلبات المدرسية.
ينطلق نظام التعليم لدينا من وجود قدرات معينة في الأسرة، لكنها غير متوفرة لدى الكثير من العائلات
في خضم «البحث عن الأسباب» لا يمكن تجاهل نقطتين أبدًا. النقطة الأولى تتعلق بالوضع الاقتصادي الاجتماعي للكثير من العائلات القادمة من العالم العربي. وهناك عدد غير قليل من الأسر لديه مشاكل في التكيّف مع الثقافة الجديدة في ألمانيا وفي بناء مستقبل «جديد» في «الغربة». ولا يجب الاستهانة بصعوبات الحصول على فرص عمل على وجه الخصوص، وبصعوبات تخطي العوائق التي تواجه تعديل الشهادات المدرسية والجامعية أو المهنية والاعتراف بها. وهناك حالات صعبة للغاية تـُثقِل من الناحية الاقتصادية الاجتماعية بحيث تهيمن على حياة الأشخاص المعنيين اليومية وعلى وضعهم النفسي. والعائلات التي لديها أطفال تواجه بخاصةٍ الصعوبات، لأن نظام التعليم الألماني يشترط وجود قدرات في الأسرة غير موجودة لديها في الواقع، لكنها ضرورية «لنجاح أطفالها في المدرسة». ذلك لأن التمتع بمعرفة دقيقة عن مؤسسات التعليم وأسلوب عمل وأداء النظام الدراسي مهم جدًا في ألمانيا. وللحصول على هذه المعرفة لا بد للأهالي من النشاط والمشاركة في الحياة المدرسية، والاستفادة من اجتماعات أولياء الأمور في المدرسة، ومن الأوقات المخصصة لحديث الوالدين مع المدرسين وما إلى ذلك، ولا بدَّ لهم من إقامة علاقات واتصالات بأولياء الأمور الآخرين، لا تتوقف عند حدود «جالياتهم». بهذه الطريقة فقط يمكنهم الإطلاع على العروض المتوفرة لأطفالهم، والحصول أيضًا على معلومات تخص القضايا المدرسية، وتلقي المشورة وتبادل الأفكار مع أولياء الأمور الآخرين.
النظام الدراسي يُسهِّل التمييز تجاه الكثير من الأطفال
ومن ناحية أخرى يظهر عجز هيكلي في النظام الدراسي له تأثير كبير على مستقبل كل طفل. حيث تعد مراحل الانتقال من مدرسة لأخرى والفصل المبكر بين الفروع المدرسية من نقاط هذا العجز، الأمر الذي يؤثر بشكل حاسم على تطور مسار التعليم. وقد أثبتت الأبحاث أن «منطق الاختيار الذي يقوم عليه النظام الدراسي الألماني متعدد المسارات  يساعد على التمييز المؤسسي ضد أطفال المهاجرين» وربما يوضِّح هذا ضعف أداء التلاميذ من أبناء وبنات العائلات المهاجرة. وقد استطاع الباحثان غومولا ورادتكه من إثبات هذا خاصة في فترات الانتقال من مرحلة تعلم إلى أخرى. (جومولا /رادتكه: التمييز المؤسسي. إنتاج الفرق العرقي في المدرسة، 2009).
لا يمكن الانطلاق بحسب الدراسة من وجود «تمييز متعمّد من قبل أعضاء هيئات التعليم»، حتى في ظل عدم حصول أبناء وبنات المهاجرين المتفوقين على توصية الانتقال إلى المدرسة الثانوية إلا نادرًا. إذ يعتقد الكثير من المدرسين أن مدرسة هاوبت شوله أو ريال شوله ( وقد تحولت إلى مدرسة زيكوندار شوله في برلين منذ العام الدراسي 2011/12) توفر إمكانيات أفضل لدعم الأطفال المنحدرين من أصول أجنبية. هذه الحجة تستخدم حاليًا أيضًا في بعض المدارس الابتدائية لتبرير وجود صفوف للألمان و «صفوف للأجانب»!

ما الذي يمكن أن يفعله الوالدان؟
«للمدرسة» قيمة أساسية بالنسبة للأطفال. فهي لا تقدم المعرفة فقط، إنما ترسخ لدى الطفل مواقف حياتية كما تتشكل شخصيته في مرحلة التعليم المدرسي، ويكتسب الأطفال الانطباعات الأولى في التعامل مع أقرانهم من التلاميذ ومع المعلمين والمعلمات ومع محيطهم المباشر.
أما إذا تعرضوا للتمييز في حياتهم المدرسية اليومية ولم يحصلوا على المساعدة من والديهم، فقد يؤثر ذلك بشكلٍ سلبيٍ على «مسارهم التعليمي». لذا من المهم أن يتعلم الأهالي القادمون من البلاد العربية اللغة الألمانية، لكي يستطيعوا مساعدة أطفالهم في التغلب على الصعوبات المدرسية، ولكي يستطيعوا التجاوب مع المدرسة والتفاعل معها بما تقتضيه مصلحة أطفالهم في حال حدوث مشاكل ما في المدرسة. أما أطفال العائلات التي لا تتحدث بالألمانية بخاصة داخل الأسرة فلا بدَّ لهم من الذهاب إلى روضة الأطفال في وقت مبكر لكي لا يتعرضوا للتمييز من الصف الأول. وبالإضافة إلى ذلك، لا بدَّ للوالدين من أن يعرفا أنَّ مشاركتهما مهمة جدًا وضرورية ضمن النظام الدراسي الألماني، وذلك كي يُسمِعا صوتهما ويكون لهما حضور ولكي يَضطلعا على التغيُّرات في النظام الدراسي وعلى إمكانيات الدعم المتوفرة وعلى أهمية الانتقال بين المراحل والفروع المدرسية.
على الأهالي أن ينشطوا
إذا أخذنا بعين الاعتبار، أنَّ الأطفال المنحدرين من أصول أجنبية يحصلون على التوصية بالانتقال إلى المدرسة الثانوية بشكل أقل من أقرانهم، وأن النشأة الاجتماعية العائلية وكذلك قدرة الأسرة على مساندة الطفل لها وزن كبير فيما يخص التوصيات بالانتقال، عندها علينا أن نقول إنه لا يمكن مواجهة التمييز في شؤون التعليم في المدارس، إلا من خلال مشاركة ونشاط الوالدين في الحياة المدرسية. إذ لن يمكن مواجهة النواقص والأحوال السيئة والقضاء على التمييز إلا من خلال تدخل الأهالي بشكلٍ مبادر وقوي.
الصورة:Klaus-Uwe-Gerhardt_pixelio.de_

بقلم الدكتورة ليلى أطرش يونس

هل أعجبك المقال؟

انقر على نجمة لتقييم المقال

متوسط ​​التقييم 0 / 5. عدد الأصوات 0

لا يوجد تقييم حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

معرض التدريب المهني والدراسة الجامعية

3.8 (4) ما هو التدريب المهني المناسب لي؟ ما الدراسة المناسبة لي؟ كيف يمكنني رفع من فرص قبولي بأحدى

أكمل القراءة …

الروائي سعيد النعيم

5 (2) هل أعجبك المقال؟ انقر على نجمة لتقييم المقال Submit Rating متوسط ​​التقييم 5 / 5. عدد الأصوات

أكمل القراءة …

من أجل أوروبا مضيافة

3 (2) كانت مونستر “ملاذًا آمنًا” منذ أكتوبر 2019. فمدينة مونستر تنتمي إلى تحالف البلديات الأوروبية المستعدة لاستقبال لاجئين

أكمل القراءة …

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل